اخر الاخبار


السبت، 11 أبريل 2020

صاحبنا في زمن الكرونا،الكاتب مصطفى نمر

صاحبنا في زمن الكرونا




مشاهد


مشهد(1) نهار داخلي



الساعة الخامسة والنصف صباحا حجرة نوم غير مرتبه وجسدان نائمان احدهما 



لصاحبنا يقترب من أواخر الثلاثينات والأخر لزوجته في منتصفها ويخترق صمت 



الحجرة صوت منبة الجوال يرن بنغمته التي لم يغيرها صاحبنا منذ أعوام


( مولاي انى ببابك قد بسطت يدى من لي ألوذ به إلاك ياسندى مولاي.....)


- يفتح عينيه ليستعيد وعيه ببطء بعدما تحولت حياته لوتيره واحده وايام متكررة في 



دورات من الايجار والمصاريف وزملاء العمل حتى ملابسه اصبح ارتدائها متكرر 


في نظام يزداد صرامة ويرفض اى تغيير مما اثر على قدراته العقلية واصبحت 


جامده محدودة لا تستقبل اى جديد وهكذا ...


- قام من سريره وبحكم العادة فقط توجه إلى دورة المياه وقضى حاجته وتوضأ 


وعاد الى حجرته وفى دخوله بدأت دورة زوجته قامت وذهبت الى المطبخ لتعد له 

افطار بسيط مع تسخين مياه الكاتل ووضع كيس النسكافيه بداخله وملعقه سكر واحدة ...


انهى صلاته وارتدى ملابسه ودخل الى المطبخ وعادت زوجته من حجرة الأولاد 


بعدما اطمأنت عليهم الى السرير لتنام وجاء صوته من المطبخ بتعليمات اليها ولكنها 



لم تعبأ فأى كان ما قاله هى تعرفه وغمغت ايضا بكلمات لم يفهمها وأيضا اى كانت 



ماتقوله فهو يعرفه ويحفظه و... وانهى الغمغمات والكلمات المتحركة في الشقة 


الصغير صوت الباب وهو يغلق منهيا دوره الصباح فصحابنا نزل من البيت 


وصاحبتنا أكملت نومها حتى تستعد لدورة صباح الأولاد للذهاب الى المدرسة.



مشهد(2)


 نهار خارجى



في الصباح الباكر حافلة نقل عام في الطريق


جلس صاحبنا في كرسية المفضل بجانب الباب الخلفى والهواء يضرب في انحاء 



جسده ولكنه يستمتع صيفا او شتاء بمداعبة الهواء له ويسمح له كرسيه برؤية كل 



الركاب امامه وحتى السائق ومساعده ولكن هناك رائحة غريبه على جو الحافلة 


رائحة مطهرات ...


ويتانثر الركاب في أنحاء الحافله ويركن هو رأسه على الشباك الزجاجى ويسرح 



في الطريق او لايسرح او يفكر او لايفكر او يتذكر او لايتذكر او يفعل كل هذا معا 

اولايفعل او لا اى شئ او كل شئ او ...


تتوقف الحافله لتلتقط ركاب يصعد الاول وورائه الثانى


يتحرك الاول بجلبابه وعمامته وملامحه الصعيديه الواضحه ويقول : جالكم اللى 


هيربيكم ياقهاروه ويضحك ويجلس على كرسيه ويختفى من وعى صاحبنا


يجلس الراكب الثانى على الكنبه الخلفيه وعينيه تائهه ووجه ينم على توتر بالغ وهو 



يتحدث في هاتفه :

 مش لاقى كمامات ولا لاقى اى مطهرات ومش عارف اعمل ايه ؟)

 ويختفى من وجه صاحبنا ولكن لاتختفى كلمه كمامات من وعيه وتظل عالقه به 


ويسترعى انتباهه ارتداء الناس على استحياء كمامات زرقاء او بيضاء او يضعون 


منديل من السائرين في الشوارع في هذا التوقيت الصباحي ويختفي كل هذا من 

وعى صاحبنا ايضا.




مشهد(3)



 نهار داخلى


في مصلحه حكوميه مكاتب مرصوصة في حجرة كبيرة على شكل مربع فيما عدا 


باب الحجرة ليسمح بالدخول والخروج نفس الرائحة الغريبة ايضا مطهرات التكرار 


اشارة للقلق والتوتر ...


والموظفون جالسون حول مكتب كبير يتناولون الافطار والكاتل يغلى الماء 


والاكواب حوله بها تلقيمات الشاى والسكر في انتظار دورها لتهب الشاي للموظفين

موظف1: وايه موضوع الكرونا دى


موظف2 : ياعم دى سياسه ملناش دعوة


موظف3 :لا دى فيرس من الخفافيش من الصين


موظف4 : لا اله الا الله وكفى بالإسلام نعمه بياكلو كل حاجه بتتحرك ماهما لو 



مؤمنين مكناش شفنا القرف ده


موظف5: بس الحكومة بتاعتنا عملت شغل حلو 100 مليار مرة واحده ماحنا طلعنا 



اغنيا اهو امال مساكلنا الفقر ليه ؟


موظف6: انا ابن خالتى في الكويت اتصاب ومحجوز هو وعياله


موظف 2: انت هتشتغلنا دى حرب بين الصين وأمريكا عشان الصين تسيطر على 


الاقتصاد العالمى


موظف6: انا بقولك ابن خالتى اتصاب ومحجوز


موظف3 : وبعدين هنعمل ايه في القرف ده هى المصاريف ناقصة كمامات 



ومطرهات وكمان مش وجوده في السوق


موظف 4 : .............


موظف 5 : ............


كل الموظفون : .................


للمرة الثانية تعلق كلمه كمامات في ذهن صاحبنا ولكن هذه المره رافقتها كلمة 


كرونا 


واحتار هل يدخها في دورته اليوميه ومهامه ام لا صدمة شديدة له هل يكسر 

الروتين والعادة ام يستمر هل الموضوع يستحق ...


نفض عن عقله بعض التراب الصلد وفتح جواله على موقع متابعة ارقام الفيروس 


فرأى ماهاله ماكل هذه الارقام والاعداد وخاطرته دعابة كل الدول المتقدمة بها 


الفيروس وكأنه مسلط عليهم فقط ... لم يتعب عقله في ايجاد تفسير الأهم هل يدخل 


الأمر في حساباته ام لا ...

اذن لصلاة الظهر فى المصلحة ولكن لم يفرش احد السجاد وانتحى كل بجانب 

ولأول مرة منذ سنوات يصلى بمفردة و..... انتهت ساعات العمل .



مشهد(4)

نهار خارجى



شارع السوق على جانبيه بائعين ومحلات القصابين وبيع الدواجن

صاحبنا يتجول فيه لشراء احتياجات المنزل

اصوات متداخله والشمس على خير العادة ضيف ظريف على الشارع والسوق 

هادئة وتمنح الدفء

يتمشى صاحبنا ليختار الخضروات وعقله يعمل بلا هوادة ليأخذ قرار بشأن الكرونا 

يده تمسك بالاكياس لتعبئ الطماطم والخيار وايضا ذات الرائحة امام المحلات 

المطهرات توقف وتأمل المارة بعين جديدة رأى الكمامات والكل يتحدث عن الكرونا 

وتدافع شديد لشراء احتياجات في غير حاجة وتوتر والمطهرات ..

قضى الامر ستدخل الكرونا في حساباته ولكنها كالفيروس في العقل لم يكن مدرب 

على التعامل معها او اى تغير حسم الامر سيفعل كما الجميع ...

دخل الى او صيدليه صادفته ولكنه لم يكد يخطو داخلها حتى طرد خارجا من 

المساعدين وامروه ان يقف في الخارج ثم ابتسموا في استعداد ليلبوا طلباته

صاحبنا : مطهر وكحول وكمامات ... وتذكر اولاده وزوجته وبحسبه بسيطه يحتاج 

الى 28 كمامة بالاضافة اليه وكان قد نسيها ليصبح العدد الاجمالى 35 كمامة لتكفى 

اسبوع...

مساعد الصيدلى : للاسف يافندم مفيش يافندم والحاجات جاية بليل

نظر الى المساعد ببلاهه على تضحيته التى لم تقبلها الحياة بعدما قرر تغيير عاداته 

...سار ومشى كما لم يمش قبلا يدور على الصيدليات حتى جمع احتياجاته في 



التطهير ومواجهه الفيروس وعندما امتن لنفسه بأنه ادى واجبه كاملا ارتدى الكمامة 



ليجبرها وينقل خبرته إلى أسرته ...



مشهد(5) 


نهار خارجى

السوق مرة اخرى والجميع يرتدى الكمامات ولغة الاشارة هى السائدة بين الجميع 

والشمس غير لطيفه وغير ودودة بالمرة تلهب الجميع وتختنق الانفاس وتصعب 



الرؤية بالنظارة الطبية لتكون بخار الماء عليها...

صاحبنا في السوق وقد خلت البضاعة تقريبا ولم يتبقى الا بواقى البواقى وهو مجبر 

على الشراء بعدما تغيرت الحياة واصبحت الخيارات مجبرة واصوات انفاسه التى 

ترن في اذنه والهواء الساخن الذى يتنفسه مرات ومرات خلف الكمامة (بالمناسبة 

التى قضت على النصيب الاعظم من راتبه) حتى يتغير الهواء مرة اخرى والبيانات 

الصادرة من التلفاز بمحاولات محاصرة الوباء المستشرى وهو اول المحاصرين 

بعدما اخلوا المصلحة التى يعمل بها لتدخل الحجر ...

اشترى ما استطاع الحصول عليه من سوق الخضروات ودخل الهايبر الشهير في 

المنطقة ليشترى لكل طفل في اسرته مايحبه فالاول عاشق للشيبسى ( الذى ارتفع 

سعره للضعف) والثانى الذى يحب المارشملو والثالثه التى تعشق الشيكولاته كأمها 

فحصل على اثنين منها وذهب الى الكاشير وانقده وخرج وهو يفكر في اسرته عندما 

يعطيهم الحلوى لتخفف وطأة الحجر الاجبارى في البيت وهو مايزال يظن انه يحلم 

بما يحدث حوله ومحاولات مضنيه لعقله ليعود كما كان بعدما تداخلت حيته وقلبت 

رأسا على عقب حتى بعدما وضع في حساباته الفيروس لم تصل الحياة الى 

الاستقرار المنشود وباءت كل الجهود بالفشل وخزين المنزل يقارب على النفاذ 

والاهم ماتبقى من النقود معه ومستقبل الاولاد والاقساط وفجأة انفرجت السماء 

باتساعها واقترب هو منها طائرا حتى كاد يلامس السحاب بيديه وحوله تطير 

الحلوى في صعود اسطورى

للسماء وهبطت سريعا الحلوى ليسمع تهشم الشيبسى والمارشميلو سليم لطبيعه 

جسده اللدن وتكسر الشيكولاته والاهم هو ظل طائرا والناس تجتمع حوله من كل 

حدب وصوب وسائق الميكروباص يبكى ويقول : هو مخدش باله وانا بضربه 

الكلاكس من بعيد.

وعاد صاحبنا أخيرا الى هدوئه وغادرت عقله كل الافكار والحسابات بعدما تأكد انه 

هزم الفيروس وحده.




تمت بحمد الله


مصطفى نمر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق