فِـي اللُّغةِ والنَّــقدِ
إشكاليّةُ المُصطَلحِ وعشواءُ الوضعِ
إنَّ ممَّا لاريبَ فيْهِ أنَّ لكلٍّ منَّا نظرةً خاصةً شخصيةً ينفردُ بها عن أغيارِه حيالَ أمرٍ مّا
يقعُ بيننا فيهِ الاشتراكُ الفِكريُّ، والخصوصيةُ هـٰهُنا للأدبِ واللُّغةِ ونقدِهِما لِدورانِ
الحديثِ عليهما ولتخصُّصِنا فيهما، فلا مشاحةَ فيما إنْ لّم يُوافق كلامي هذا ما جازَ في
شيءٍ من العلومِ أو الفنونِ غيرِ التي ذكرنَاها .
** ولا غرو في أنَّ النظرةَ الفرديةَ لمسألةٍ مّا في الأدبِ أو اللُّغةِ أو نقدِهما لا تُكسبُها
شرعيةَ البقاءِ مالم تتّفق معَ واقعِ حالِها ومقالِها، وما لم تُلاقَ بالقبولِ من جمهرةِ
المُشتغلين بتلك العلومِ، فَـكم من الرؤىٰ والنظراتِ التي نشأتْ في معزلٍ عنِ المجتمعِ
الأدبيِّ واللغويِّ والنقديِّ لأوَّلِ أمرِها - كالذي حدثَ لـ(ابنِ جني) في وصفِ اجتماعيةِ
اللغةِ ونعتِها بالأصواتِ لا بالحروفِ، وقد عدَّ ذلك بعضُهم من الغرائبياتِ، والأكثرُ لم
يلتفتوا لِـمَا احتملَه كلامُه من الجدَّةِ والابتكارِ والسبقِ إلىٰ وَضعِ الركائزِ الأولىٰ
والدعاماتِ الأساسيةِ التي ارتكنَ إليها القائلونَ بعدُ بنظريةِ ( اجتماعيةِ اللغةِ )
والمشتغلونَ بعلومِ اللسانياتِ الحديثةِ في المجتمعاتِ الغربيةِ؛ فإنَّ محاضراتِ
( ديسوسير )
المنشورةَ بعدَ وفاتِهِ لعام 1916 لم تكنْ حجرَ الزاويةِ في بناءِ نظريةِ اللغةِ الحداثيةِ،
بل مردُّ الفضلِ في القولِ علىٰ أنَّ للألفاظِ معانيَ ظاهرةً وأخرىٰ سياقيةً، وأنَّ دلالاتِ
الألفاظِ تتحدَّدُ وفقًا لمُرادِ المتكلمِ بها وواقعِ الحالِ - يرجعُ إلىٰ ( سيبويه )
و ( أبي عليّ الفارسيّ ) و ( ابنِ جنّي ) و (أبي سعيدٍ السيرافيِّ ) .
** ثمَّ لمَّا وُضعِت تلك النظرةُ العربيةُ الفرديةُ في قالبِها في عصرِ التحقيقِ وبدأَ الالتفاتُ
إلىٰ محتواها تحوَّلتْ إلىٰ ( نظريةٍ ) يَصطلحُ عليها أهلُ اللغةِ والمشتغلونُ بعلومِها .
إذن: من ضوابطِ الاعتدادِ بمفهومِ ( النظريةِ ) في كافّةِ حقولِ المعرفةِ الآتي:
١- تحَقُّقُ عُنصرِ الشموليةِ والإلمامِ بمحترزاتِ ما وُضِعت له .
٢- توافقيتُها معَ القوانينِ العامةِ الإجرائيةِ للعلمِ المُعبَّرةِ هي عن جُزئِه .
٣- تقييدُ أهلِ صناعتِها له وتلقِّيها بالقبولِ .
٤- ومن المُشترطِ في صياغةِ نظريةٍ مّا أنْ تكونَ من أوَّلِ أمرِها معَ بدايةِ نشأتِها ذاتَ
اسمٍ عَلمٍ دالٍّ عليها دلالةً قطعيةً تنفي اشتراك ما عداها معها فيه .
** وليس في ذلك محجَّةٌ للغربِ القادحينَ علىٰ حضارةِ العربِ - حسدًا من عندِ أنفُسِهم -
والطاعنينَ علىٰ ميراثِهم أنَّهم هُـم من صاغوا - الاصطلاحاتِ المفاهيميةَ - لمعظمِ
النظرياتِ العربيةِ القديمةِ التي اشتغلَ عليها أهلُ الصناعةِ اللغويةِ والنقديةِ والأدبيةِ في
الغربِ فلم يكسوها من حُلَلِ الجمالِ وأرديةِ الكمالِ إلا أن وضعوا لها الاصطلاحَ ليكونَ
عَلَمًا علىٰ تلك النظرياتِ، حيثُ لم يكترث علماءُ العربيةِ عند التقعيدِ لنظرياتِهم
بتسمياتِها، وليس في ذلك مزيدُ فضلٍ ولا نقصانُه ينتقصُ من جهودِهم .
** وإنَّهُ لَـمِنَ الجحودِ والجمودِ الرّكونُ إلىٰ مذهبِ الغربِ والقولُ بِه جُملةً من غيرِ ما
تفنيدٍ لَه وإبطالِ كثيرٍ ممّا ارتكزَ عليهِ في جانبِ القطعِ بأنّهم هُـم من وضعوا
الاصطلاحاتِ للعلومِ والفنونِ اللُّغويةِ والأدبيةِ، والحقُّ أنَّ عُلماءَ العربيةِ كانوا أسبقَ
النّاسِ إلىٰ وضعِ الاصطلاحاتِ المُختَصِرةِ لمُشتملاتِ علومِ القرآنِ والحديثِ واللغةِ
والأدبِ، غيرَ أنَّ إشكالًا ما هو ما جعلَ من تلك الاصطلاحاتِ محلَّ إلغازٍ؛ فلم يكن من
السهلِ اليسيرِ فهمُ معانيها وتفسيرُ مغازيها وفكُّ طلاسمِها، وذا للآتي:
(١) اصطلاحُ كلٍّ من هؤلاءِ العلماءِ علىٰ مفهومٍ ما في علمِه الذي تخصَّصَ فيْهِ
بطريقتِه الخاصّةِ بِه، فاختلفت طُرقُ صياغةِ المُصطلحِ الواحدِ لديْهم بما يتطابقُ معَ
أسلوبِ كلٍّ منهم في الصياغةِ .
(٢) كثرةُ الاصطلاحاتِ وتعدُّدُها قياسّا علىٰ كثرةِ تلك العلومِ وتعدُّدِ فروعِها .
(٣) اعتمادُ هَـؤلاءِ العلماءِ في اصطلاحِهم علىٰ مسألةٍ مّا علىٰ ما دَرَجَت عليهِ ألسنتُهم
من العربيةِ وألفاظِها آنَذاكَ، ما أعجزَنا الآنَ عن تفسيرِه لِـبُعدِ ما بينَنا وبينَ صحيحِ اللُّغةِ
راهنَ الزّمانِ .
** ومن أعلامِ التأليفِ في فنونِ الاصطلاحِ منَ العربِ القُدامىٰ: ( ابن خلّاد
الرامَهرمزي،.. وابنِ الصلاحِ، والأُبَّــذيِّ، وأبو البركاتِ الأنباريّ، وشهاب الدين
العمري ...) وغيرُهم خلقٌ كثيرٌ لا يأتي علىٰ ذكرِهم عَــدٌّ .
ومن مُصنّفاتِ الاصطلاحِ المعروفةِ عندَنا قديمًا:
( التعريف بالمُصطلحِ الشريفِ، الحدودُ النحويةِ، مُصطلحُ الحديثِ، تثقيفُ المُصطلحِ،
صُبحُ الأعشىٰ في صناعةِ الإنشا ...) هَـٰذا ما خلصَ منَ المُصنّفاتِ ما بيْنَ دِفَّتَيْهِ للكلامِ
في الاصطلاحاتِ خاصَّةً دونَ خلطِهِ بِـعلمٍ غيرِه، أمّا ما لم نعرضْ له ممّا جعلَ من
القولِ في المُصطلحِ ضمنًا معَ العلومِ التي سيقت تلك الاصطلاحاتُ للتعبيرِ بها عنها؛
فهيَ أكثرُ من أنْ تُحصرَ .
ومعَ ما أسلفنا بيانَه من تواليفِ المُصطلحاتِ لا يسوغُ الحُكمُ عليها بأنّها كانتْ نواةً أو
لَـبِنةً أوَّلِيّةً في بناءِ عِلمِ وفنِّ المُصطلحِ، بل إنّ أئمةَ العربيةِ وعلماءَ الحديثِ والأصولِيّينَ
قد بلغوا الغايةَ التي لا غايةَ بعدَها في التواضعِ علىٰ رسمِ حدٍّ لكلِّ علمٍ من علومِ
العربيةِ، وَ وضعِ مصطلحٍ لكلِّ فرعٍ من فروعِه، والحاجةُ داعيةٌ راهنَ زمانِنا إلىٰ
تهذيبِ تلك
الاصطلاحاتِ وإخراجِها في صورةِ اللفظِ المفهومِ والهيئةِ المعلومةِ وَفٍقًا لثقافةِ الناسِ
اللغويةِ لا أكثرَ ..
محمد حمدي الشعار القُوصِيّ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق