الــشِّـعرُ الــمَـنْثُـورُ
في الشعرِ النثريِّ*/
يُعوِّلُ فيهِ شاعرُه علىٰ المُوسيقىٰ الداخليةِ لعمومِ النصِّ، فليسَ ثَمّةَ ما يُمكنُ الحكمُ علىٰ النصِّ من خلالِه بأنّهُ من بابِ الشِّعرِ لا من بابِ النثرِ إلّا تلكَ التكامليةُ المُنغّمةُ بِـترابطِ أجزاءِ بعضِهِ القصيرةِ بِـبعض، وذلكَ التّراتبُ بينَ تراكيبِه وتلكَ النَّسَقيةُ في تشكيلاتِ عِباراتِه، وإجراؤهُ في هيئةِ فواصلَ صغيرةٍ تُشبِه فواصلَ السّجعِ بِـتقفيةٍ في بعضِ نهاياتِ أسطُرِه وبدونِ تقفيةٍ في بعضِها الآخرِ؛ فيتشكَّلُ منها جَميعًا نوعٌ من الطّربيةِ المُستشعرةِ في تضاعيفِ الجُملِ المُكتلمةِ المُكتنِزةِ في النّصِّ لا في المُفرداتِ الأُحاديةِ يستطيعُ المُتلقِّي للنصِّ الفصلَ بينَ ما أنْ كانَ ما يَلِجُ إلىٰ قلبِه من عباراتِه شِعرًا أو نثرًا، وهو بتلك السّماتِ لا يكادُ ينمازُ في جانبٍ منْهُ عنِ النثرِ المُسَجَّعِ أو الكلامِ ذي الفاصلةِ المَسمّىٰ بالمَقامةِ إلّا في اشتمالِ هَـٰذا الأخيرِ علىٰ ما يدعوه النَّقَدَةُ والمُنظِّرون لأجناسِ الأدبِ العَربيِّ بالكُديةِ، واحتوائهِ علىٰ نوعٍ خاصٍّ من الحَكَايا ذاتِ البناءِ الفنّيّ المائزِ لها عنْ هَـٰذي التي خُصَّتْ لديْهم باسمِ القِصّةِ القصيرةِ، وباعتمادِ بنائِها علىٰ المَجلسِ - المقامِ - الذي قليتْ فيْهِ .
** وبينَ هَـٰذا الشِّعرِ - النثريِّ، الحُـرِّ - وشِعرِ العربِ العمُوديِّ ذي القالبِ المعروفِ المألوفِ من الفوارقِ المائزةِ ما لا نستطيعُه حصرًا في مقالٍ قصيرٍ گهَـٰذا، غيرَ أنَّنا سنستوفي منها أهمّها لتوشيحِ المقالِ بما يُفْهِمُ حتّىٰ يعلمَ مَنْ لا عِلمَ لهُ بأنّ الشّعرَ جِنسٌ من أدبِ العربِ جليلُ القدرِ لا يقدرُ عليْهِ إلّا أهلُهُ، وأنّ ما لا نَنفكُّ عن مُطالعتِه صباحَ مساءٍ من ألوانٍ أدبيةٍ وغيرِ أدبيةٍ يَسِمُها أصحابُها - في غيرِ حياءٍ - بِـوُسومِ الشِّعرِ ليستْ منَ الشِّعرِ وأنّ أصحابَها ليسُوا منَ الشِّعرِ في عِيرٍ ولا نفِيرٍ، ومنْها:
(١) للشعرِ العربيِّ عمودٌ له تجلياتٌ في الشكلِ ( البحورِ ) والقالبِ ( التّامِّ، والشطور، والمجزوءِ، والمنهوكِ، والمُرجّز )، وفي الجَـوْهرِ ( الموسيقىٰ ) وتنقسمُ إلىٰ خارجيةٍ: مُمثَّلةٍ في الوزنِ والقافيةِ، وداخليةٍ: مُمثّلةٍ في توظيفِ الصّورِ البيانيةِ والبديعيةِ لتوشِيةِ دواخلِ النصِّ وترصيعِ حَـواشيهِ بِما لا يَدَعُ معَهُ ريبةً لِـمُتجرّدٍ عن نزعةِ الهَوىٰ في الحُكمِ علىٰ النصِّ معَ الوهلةِ الأُولىٰ لسماعِه أو تلقّيْهِ علىٰ أيّةِ صِفةٍ بأنّهُ منَ منظومِ الكلامِ لا منثورِه .
(٢) الإغرابُ في وضعِ المفرداتِ بإزاءِ معانيْها الطالبةِ لَـها علىٰ نَـحوٍ يتطابقُ معَ الغرضِ المنظومِ فيْهِ، ولم نَعنِ بالإغرابِ الإفحاشَ، أوِ التقعُّرَ، أو النَّفرةَ، أوِ الإبهامَ والتّعميةَ المُفرطةَ التي تأخذُ معها بجمالِ النصِّ وتقضي علىٰ التمتُّعِ بلذَّتِهِ، ولكنْ إخراجُ الألفاظِ المعهودةِ المُتألَّفةِ في تصويرٍ جديدٍ ذا فرادةْ تُفكِّكُ لدىٰ المُتلقِّي المفاهيميّةَ المُتعارفةِ لمثلِ تلك التراكيبِ .
علىٰ حينِ يفتقدُ النثرُ الشعريُّ إلىٰ أقلِّ تلكَ التقديراتِ؛ وإنّ حِرصَ الناثرِ الشِّعريِّ علىٰ الإغراقِ في الرّمزيةِ وتعميقِ توظيفِ الإيحائيةِ في مُنعطفاتِ نَـصِّهِ ( النثرِ شِعريّ ) لا يزيدُه إلّا بُعدًا عن شِعريةِ النّصِّ وشاعريةِ صاحِبِهِ؛ فإنَّـا لا نَعُدُّ ذلكَ إلّا منَ بابِ التّحوّلاتِ الفلسفيةِ في بِنْيَةِ النّصِّ الدّاخليةِ تُحبطُ كَونَهُ شِعرًا؛ فقد عَــدًَ الحاذقونَ من نَقَدةِ العربِ قديمّا المُحقِّقينَ اختلافِ الشّاعرِ علىٰ توظيفِ (الحِكمةِ) في شِعرِه مُخرجًا لهُ عنِ الشّاعريةِ ومُبعِدًا لشِعرِه عنِ الشّعريةِ، وهَـذاكَم شاعرُ المَعرّةِ ( أبو العلاءِ ) يقضي لِــلبُحتريِّ بأنّهُ أشعرُ منَ المُتنبّي وأبي تمّامٍ لإكثارِ الأخيرَينِ من توظيفِ الحِكمةِ في شِعرِهما، فما الحالُ إذنْ معَ مَنْ فشتِ الفلسفةُ والرمزيةُ والإيحاءُ والتلويحُ في شِعرِه - أعني ما يُقالُ عنْهُ منْ منثورِ الكلامِ شِعرًا -
** ولو أنَّ للموسيقىٰ الدّاخليةِ وحدَها منَ الكفايةِ ما يقفُ عندَه المُتلقِّي علىٰ الحُكمِ بشعريةِ النّصِّ لكانَتِ (المقامةُ) و (الخُطَبُ المسجوعةُ) و الكلامُ المُشتملُ علىٰ بديعيّاتِ التجنيسِ والمُقابلةِ والطّباقِ أشعرَ منَ ذا الذي يَسِمونَه بالشّعرِ النثريّ، وأيُّ جِنْسٍ هَـٰذا الذي يجمعُ تحتَهُ لَوْنَيْنِ مُختلِفَي الجوهرِ والمظهرِ منْ ألوانِ الأدبِ العربيِّ..؟!
ما تلكَ إلّا دعوىٰ باطلةٌ يَنطوي تحتَها من خبيثِ النّوايا ما غَفِلَ عنْهُ جمهرةُ المُثقّفينَ من أُدباءِ العربِ - أو مَنْ نفترِضُ فِيهم أنْ يكونوا كذلك -..
هَـٰذا وإنَّـا لا نرىٰ في الجُهودِ المبذولةِ في وصفِ ( النثرِ الشعريِّ ) ونقدِه وَ ترسيمِ مبانيْهِ وتَتميمِ مغازيْهِ إلّا هدْرًا لا ينبغِي علىٰ مَـنْ يهوىٰ العربيةَ ويتعشَّقُ فنونَها أنْ يلتفتَ إليْهِ ولا أنْ يُعرِّجَ عليْهِ؛ فإنّهُ لا يُعتَمَدُ مَـددًا، ولا يُقِيمُ أَوَدًا، ولا تنهضُ بِهِ حُجّةٌ، ولا يُقَوِّي دليلًا ..
محمد حمدي الشعار

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق