اخر الاخبار


الخميس، 16 أبريل 2020

- أول مرة،الكاتب محمد عبدالنعيم

أول مرة 


محمد عبدالنعيم 

قصة قصيرة..  












دائما" أول مرة تسبقها رغبة ملحة وخوف وتردد وترقب ، وتعقبها نشوة وندم ، وأول مرة كانت صيفا" ، ولم تكن آخر مرة ، رغم أن أول مرة كانت أحلى مرة ، بل أحلى وألذ من كل المرات التي تلتها ، وقتها كنت على أعتاب المراهقة ، وكانت كذلك هي ، في البداية لم أنتبه لها ، لأني كنت بالمذاكرة عنها مشغول ، ومن دروسي
لا أفيق ، ورغبتي في اجتياز الامتحان بتفوق مستعرة ، لا تخبو جذوتها ولا يفتر حماسي ، حتى وأنا أصعد إلى سطح بيتنا في نهار الشتاء لأذاكر تحت الشمس لم أنتبه لها ، وهي واقفة على السطح المقابل ، كنت أصعد ، وانزل وأنا بالكتب مشغول ، وبالامتحان مهموم ، ويبدو أنها كانت ترمقني من فترة في صعودي للسطح ونزولي دون أن أنتبه لها قالتها لي لما تلاقينا ، وقالت لي أيضا" أنها كانت تتحرق شوقا" لأن أرفع رأسي عن الكتاب لأراها ، أو انتبه لها وهي واقفة تتطلع لي في نزولي وصعودي وجلوسي بين كتبي ،ولم يحدث ولا مرة ، وكانت تتوق لأنتبه لها ولو مرة ، وكانت تغتاظ كلما صعدت ونزلت دون أن أنظر للسطح المقابل حيث تقف ، هي تركت المدرسة ، وجلست في البيت فلم يكن لها صبر على المدرسة ولم يكن لها رغبة في مواصلة التعليم ، قليلة الخروج من بيتها هي ، وسطح بيتها متنفسها في الشتاء وللتشمس ،وفي ليل الصيف لتستمتع بنسمات الليل الطرية ولتهرب من جحيم الغرفة ، فشتاء تصعد نهارا" للشمس ، وصيفا" تصعد ليلا" لبرودته وهوائه المنعش اللطيف ، كانت تصعد وقتما أصعد ، وتنزل وقتما أنزل ، هي قالت لي ذلك فيما بعد وأنا ساهي عنها ، وهي تتوق شوقا" ولهفة لأن أراها وهي تنتظرني في نفس الميعاد ،صحيح أن بنيان رجولتي ينهض بسرعة وبقوة ، ورغبتي في الجنس الآخر استوت ، ولكن كان هناك دائما" حاجز ، حاجز من الخوف ، والتردد ، والرهبة للتنفيس عن هذه الرغبة الفتية ، فإن تنظر لفتاة أمر سهل ، وإن لم أعود نفسي عليه حتى لا يشغلني النظر إليهن والتطلع لهن عن دروسي ،رغم أن كل ما سبق لم يمنعني عن أن اختلس النظر من تحت لتحت بخجل لزميلاتي بالصف ، وأرمق صدورهن النافرة ، وأردافهن المكورة ، ووجوههن الصابحة ،وأتمنى لو تتاح لي الفرصة فأعبث بكل هذه التضاريس الناهضة ، وأذوق الشفاه الطرية ، وأمتص رحيقهن ، وألثم وجوههن الندية ، وأداعب شعورهن الهفهافة ، ولكن كيف والخجل يمنعني ، والحياء يقيدني ، فلا أطيل النظر إليهن ، فعيب أن ينظر الزميل لزميلته نظرة غير بريئة ، نظرة تجعلها تمقته ، وتزدريه وتنفر منه ، وأن تكلم فتاة فذلك أصعب بكثير من النظر إليهن وإن كان يتاح لنا الكلام فذلك في حدود الزمالة البريئة ، وفي نطاق الدرس ، صباح الخير ، صباح الخير ، وأحاديث جانبية عن الدرس وصعوبته وبينا مدرس المادة أو المدرسة ، أما خارج الدرس وحوارات جانبية ، وتباسط بيننا فلا ، والأصعب من النظر ، والكلام المواعدة ، فإن تواعد فتاة فذلك شبه المستحيل بالنسبة لي على الأقل ، فهناك بعض الزملاء والزميلات يتواعدون ، ويتقابلون خلسة داخل المدرسة ، وخرجها ، وكم ضبطت أيادي متماسكة ، وعيون حبلى بنظرات الحب ، والود ، والرغبة ، والهيام ، وأجسام متلاصقة ، وشفاه تكاد تقترب وأذرع تسعى للعناق ، لذلك كانت أول مرة ألتفت إليها وجدتها تنظر نحوي ، وتبتسم ابتسامة تبعث الرضا والاطمئنان ، فابتسمت لها ، هي ابتسامة بابتسامة فهي التي بدأت فلماذا أتجاهلها ، قالت لي وابتسامتها عالقة على محياها : - تتعب نفسك كثيرا" .
فقلت :
- من جد وجد .
فقالت :
- واضح .
ثم أردفت قائلة بنبرة حنونة :
- إن لبدنك عليك حق .
- طبعا" .
- ولقلبك أيضا" .
فارتبكت ، فسألتني وهى ترمقني بنظرات عينيها الحالمة وابتسامتها الحلوة :
- أليس لقلبك عليك حق ؟
فقلت :
- بلى .
فسألت :
- هل أعطيته حقه ؟
فقلت وقد فطنت لما تعنيه بسؤالها:
- لو أعطيته حقه لشغلني عن دروسي .
فقالت :
- بالعكس .. لو أعطيته حقه لدفعك لدروسك .
فسألتها وكأني لا أفهما :
- وما حقه ؟
فقالت ونظراتها معلقة بي :
- أن تجعله يحب ويعيش الحب .
فقلت لها :
- إنه يحب .
فردت بدهشة :
- يحب .
- نعم يحب .
فتساءلت بخبث ظريف :
- يحب من ؟
فأجبت بمكر :
- يحب من يحبه .
فسألتني بفضول :
- ومن يحبه قلبك ؟
فقلت ضاحكا" :
- أمي وأبي .
فضحكت من قلبها وقالت :
- ونعم الحب .
فسألتها وقد مدتني ضحكتها بشجاعة :
- وقلبك أنت أيحب ؟
فقالت وهي تتنهد :
- يعصف به الحب
فقلت بخبث :
- حب أبيك وأمك طبعا" مثلي ؟
فقالت ونظرات عينيها تثيرني :
- بل حب من يحب أباه وأمه .
فقلت :
- كلنا نحب أباءنا وأمهاتنا .
فقالت وهى تنفخ بغيظ :
- إلى متى تتصنع الغباء وتمعن في الإهمال ؟
فقلت :
- أنا ؟
- نعم أنت .
- ماذا تقصدين ؟
- ألم تفهم بعد ؟
فقلت وأنا أطوقها بنظراتي :
- أفهم ولكني خجل .
- خجل .
- نعم .
- الحب يطيح بالخجل .
- كنت أخشاك .
- ولماذا أنا لم أخشاك ؟
- أنا خائف .
- ماذا ؟
- خائف .
- غريبة ؟
- لماذا ؟
- الذي يخاف هو أنا لا أنت .
- بل أنا وانتي .
- ممن نخاف ؟
- من كل العيون .
- أية عيون ؟
- عيون ربما تترصدنا .
- أنا لا أخاف أحدا" ولا أخشاه لأني ..
و سكتت لبرهة وانتظرت أن تنطق ، ولكن طال سكوتها ودهشتها ، فقلت وأنا أقترب منها أكثر ، حتى لم يعد بيني وبينها إلا حائط سور السطح الذي تقف وراءه ، ودائما" كانت تقف وراءه وتتطلع لي وكأنها تنهز الفرصة لتكلمني وأنا لا أدري :
- لأنك ماذا ؟
- لأني ..
- ها ...
- لأني أحبك يا غبي .
فتنفست الصعداء ، وطردت عني التردد ، ونحيت الخوف ، وقبضت على يديها برقة وحنان وقلت وعيناي في عينيها :
- وأنا أحبك .
خرجت الكلمة من قلبي كخيط من نور امتد مني حتى لامس قلبها ، وانعكس على محياها ، فلاحت على صفحته فرحة الرضا ، والسرور ، كما لامس قلبي خيط النور النابع من قلبها فهلت على وجهي فرحة الرضا والسرور ، وكانت أول مرة أقول أحبك ، وكم كانت الكلمة عذبة ، وجميلة ، ورقيقة وهي تخرج من قلبي كما كانت كذلك وهي تخرج من قبلها ، كلانا قال أحبك أول مرة ، قالتها هي لي أول مرة ، وقلتها أنا لها أول مرة ، ليتني ما غفلت عنها كل هذه المدة ، أو بالأصح تغفلت عنها بدروسي وتغابيت ، قلبي كان نائما" فاستيقظ ، وانتشى بالكلمة والنظرة ، وروحي تهفو للجلوس معها والتطلع لعينيها الفاتنتين ، ولوجها الندي الصبوح ، وجسدي يستعر رغبة في أن يلامس جسدها الطري المثير ، وتواعدنا ، كان مساءا" ، والقمر غائبا" ، والنجوم تتلألأ في صفحة السماء الزرقاء ، الصافية ، والجو صحو ، وكل شيء غارق في صمت وسكون ، قفزة واحدة وكنت على سطحها ، كانت تنتظري بلهفة ، وشوق ، وقلب مرتجف ، وكنت أنا كذلك ، تعاقنا فجأة بهمس دون أن ينطق أحد منا ولو بكلمة واحدة لاهي ولا أنا ، سكت الكلام ، وتكلمت الأنفاس ، والعيون ، وانبعثت التنهدات ،فأي كلام يمكن أن يكون والأجسام متعانقة ، والشفاه تعتصرها قبلة طويلة ، كنت ظمآن للعناق وكانت هي أيضا" ، كنت تواقا" لملامسة الجسد وكانت هي ، أهذا هو الحب ؟ أم هي الرغبة ؟هل أنا فعلا" أحببتها أم اشتهيتها ؟ وهل هي فعلا" أحبتني أم رغبتني واشتهتني مثلي تماما" ؟ نسينا أنفسنا من هي ومن أنا وأين نحن ، في لحظة العناق الطويلة ، والقبلات الدسمة ، والتنهدات المستعرة ، وانسحبت من حضني بهدوء وأنا متشبث بها ، واستطاعت أن تفلت مني وهي تلهث ، وأنا ألهث ، وكأننا كنا في سباق ، واخذت تعيد شعرها المبعثر ، وهندامها، وتلم كل ما هو مبعثر منها في لحظة العناق ، والقبلات ، وكذلك أنا ، ثم جلست تحت جدار السور تلتقط أنفاسها اللاهثة ، وجلست أنا بجوارها وأنا لا أصدق كل ما جرى بيننا وهى كذلك ، وبع أن استعدنا هدوءنا ، وانتظمت أنفاسنا ، وانتبهنا ملت نحوها وهمست :
- ما أروع الحب .
فقالت وهي تطوقني بنظراتها الناعسة :
- ما أروع الحب .
فقلت :
- هذه أول مرة أعانق جسم أنثى وأقبل شفتيها .
فقالت :
- وهذه أول مرة يعانقني رجل ويعبث بجسدي ويقبلني .
فقلت بسعادة ورضا :
- كان ذلك لذيذا" ومثيرا .
فقالت مؤكدة :
- حقا" كان لذيذا" ومثيرا" .
- لن أنساها .
- ولا أنا .
- ألأنها أول مرة ؟
فقالت بتنهيدة :
- فعلا" لأنها أول مرة .والتقينا بعدها مرات ، ومرات وفي نفس الساعة ، وفي نفس المكان لكنها فقدت لذتها شيئا" فشيئا" ولم تعد بلذة ، ونشوة ، ومذاق ، وإحساس أول مرة ، أنا وهي سواء ، في كل مرة كانت النشوة تتقلص ، وتتناقص عن المرة التي قبلها ، وكانت اللذة تفتر ، والنار تهمد ، حتى تباعدت مرات اللقاء ، ولم نعد نلتقي ، وكانت آخر مرة تلاقينا فيها بعد أن خطبت لابن عمها ، وكنت أنا أستعد للسفر لألتحق بالجامعة ، وودعتني ، وودعتها بعناق حار ، وقبلة طويلة ، لكنه لم يكن عناقا" بنفس لذة العناق أول مرة ، ولا القبل كانت كتلك القبل التي ذقناها معا أول مرة ، فالمكان هو نفس المكان ، والزمان نفسه ، والجسدين هما ، والشفاه هي ، فما الذي تغير وجعل كل مرة نتعانق فيها ونقبل بعضنا ليس كأول مرة ، حتى تباعدنا تماما ومشى كل إلى غايته فإذا تلاقينا تكلمت العيون عنا ، وذكرت لنا ذكرى لقاء أول مرة ..




(تمت)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق